هشام جعيط

155

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

مجال لطرح قضية العفوية لا حسب تصوّر پوتي ، ولا كذلك لا سنر ، وهما المشتركان في خلفية فكرية تقرّ بالفصل الجذري بين مجرد معسكر مصطنع « إرادي » بدوي النمط وغير منظم لكونه لم يصمم مسبقا ، وبين مدينة تطورت من ذاتها بعد ذلك بمفعول المحيط ، فكانت واقعا آخر . ذلك أن ما عايناه انطلاقا من تحليل دقيق للمصادر شيء آخر تماما . ظهرت عملية لتخطيط المجال ، وتوزيع الكتل المجالية بين مركز سياسي ديني وبين حزام للسكن ، وتهيئة مرتبة لمناهج الاتصال . ذلك كان التخطيط الذي جاء بعد عملية التمصير مباشرة ، والتمصير مفهوم يستند إلى مشروع إقرار مجموعة بشرية في تجمع سكني مهما كان شكله . ولا نرى هنا ما يشبه المعسكر « 1 » على طريقة البارث أو الرومان أو الساسانيين أو حتى العرب لمجرّد أن تعمير الكوفة تم بواسطة الجيش . إذ لا يمكن وصف هذا الجيش بمفاهيم معهودة كأن نقول بأنه جيش نظامي دائم ، وجهاز لدولة وجدت قبله ، ينفذ سياستها التوسعية . لقد تعلق الأمر بعناصر قبلية كاملة ، هاجرت بأسلحتها ، وأمتعتها ونسائها وأطفالها وكان لها حرية الاختيار ومعنى التملك وشخصية خاصة . ولم تقم الدولة إلا بتنظيم هؤلاء ، فعرضت عليهم بناء المستقبل . ولماذا تعتبر الكوفة معسكرا ، حتى في فجر إنشائها بالذات ، وحتى قبل الشروع في التخطيط ، في حين يقصد بالمعسكر الهيكل العسكري المتحصن المتأهب للدفاع ، وفي حين يخضع العراق كل الخضوع منذ ما يزيد عن سنة ، ويقيم العرب في الأثناء بالمدائن التي لم تكن معسكرا في شيء ، مع أنها كانت أقرب كثيرا من قواعد العدو ، أي التراب الإيراني ذاته ؟ حقّا لم ينو عمر تسريح المقاتلين العرب ، بل بالعكس كان يريد المحافظة على هذه القوة الضاربة لاستبقاء العراق وإنهاء فتح الشام في آن واحد . لكن سنة 17 ه كانت بالأحرى سنة الانفراج ، وتنظيم المكاسب ، وإقامة هياكل المستقبل ، ولم تكن سنة تجميع القوات العسكرية استعدادا لعملية معينة . لم يكن الوضع ينبئ بالخطر . وكان المقاتلة العرب ينتشون بنصرهم دون أن يسرحوا ، وهم في راحة أو يكادون . إنّما همّهم الوحيد أن يجدوا موطنا للاستقرار و « دارا للهجرة » ووطنا ، ويحققوا حلمهم في الاستقرار ، بمعنى أن يعودوا إلى الحياة المدنية . إلا أن الخيار العسكري بقي قائما ، كما تمّت المحافظة ، دون شك ، على العادات المكتسبة منذ وقت قريب في التنظيم العسكري الذي يشكل إطارا تنضبط داخله جموع المقاتلين ، ولذا فمن المعقول تصور وجود كوفة أولية - الكوفة خلال الشهور التي سبقت التخطيط - تنشأ طبق مقاييس تتقاسمها

--> ( 1 ) قبل أن يظهر التفكير التمديني الحديث بكثير ، وحتى قبل وليام مارسي ، انتشرت فكرة المعسكر في الفكر الاستشراقي : وقد جزم بذلك كايتاني ، Caetani , Annali , III , 2 , p . 843 , ، مؤكدا الأمر ومعتمدا ما جاء به Mu ? ller في الصفحة ذاتها ، وهو الذي عرّف الكوفة كمعسكر كبير تحول بعد ذلك إلى مدينة ، وجيش الكوفة كجيش مؤلف من الاحتياطيين ( Reserveheer ) .